ملا محمد مهدي النراقي

149

انيس المجتهدين في علم الأصول

وقيل أيضا : لأنّ دفع المفسدة أهمّ من جلب المنفعة « 1 » . وهذا إنّما يتمّ فيما يحتمل الندب والحرمة لا الوجوب والحرمة ؛ لأنّ ترك الوجوب أيضا يشتمل على المفسدة . فإن قيل : لم لا يجوز أن يبقى كلّ واحد من الأمر والنهي على إطلاقه من غير تخصيص أحدهما بالآخر حتّى إذا أتى المكلّف بما اجتمعا فيه ، استحقّ العقوبة بالنهي وإن كان ممتثلا للأمر ؛ فإنّه لا مانع - لغة وعقلا - أن يقول أحد لغيره : « اكتب ، ولا تكتب في الموضع الفلاني ، ولو كتبت فيه لعاقبتك ولكن حصّلت مطلوبي » ؟ ولذا قيل : النهي لا يدلّ على الفساد « 2 » . قلت : هذا جائز عند التصريح « 3 » ، وأمّا عند التعارض - كما نحن فيه - فلا يفهم منه إلّا التخصيص كما ذكر . احتجّ الخصم بوجهين : أحدهما : أنّ السيّد إذا أمر عبده بخياطة ثوب ونهاه عن الكون في مكان مخصوص ثمّ خاطه فيه ، فإنّا نجزم بأنّه مطيع عاص معا من جهتي الأمر والنهي « 4 » . قيل في الجواب : بالفرق في الموضعين بأنّ الكون في المكان المغصوب جزء من الصلاة ؛ لأنّه عبارة عن شغل الحيّز ، وهو جنس للحركة والسكون ، ولا شكّ في أنّهما جزءان للصلاة ؛ لأنّ من أجزائها القيام والركوع وملاصقة الأرض للسجود وغير ذلك ، فالكون هنا جزء من ماهيّة الصلاة في المكان الغصبي ، وهو منهيّ عنه ، فلو كان الصلاة في المكان الغصبي مأمورا بها ، لكان هو أيضا كذلك ؛ لأنّ الأمر بشيء أمر بأجزائه وفاقا كما علمت . وأمّا الكون في المكان المخصوص فليس جزءا من الخياطة ؛ لأنّها أمر حاصل من الحركة والسكون ، فهما « 5 » معدّان لها وليسا جزءين من ماهيّتها ، فالكون المذكور ليس جزءا

--> ( 1 ) . ذهب إلى الاعتناء بدفع المفاسد الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 4 : 217 ، وابن الحاجب في منتهى الوصول : 167 . ( 2 ) . نقله الفخر الرازي عن أكثر الفقهاء في المحصول 2 : 291 . ( 3 ) . في « ب » : « الصريح » . ( 4 ) . حكاه الشيخ حسن في معالم الدين : 94 . ( 5 ) . في « ب » : « وهما » .